الصفارة و(أحمد أمين) .
في ال (أمين) منه
ما الذي يجعل مسلسل أحمد أمين هو ( الأهم ) في المسلسلات الكوميدية هذا العام ؟؟ .. ستجد إجابات عديدة، وستجد متشككين في الوقت ذاته، لكن منهجي في الإجابة يستلزم العودة إلى سنوات تقترب من العشرين عامًا عرفت فيها ( أحمد السيد أمين )فنانًا حقيقيًا، والأهم، إنسانًا بامتياز
أحمد (كبير) حقًا منذ كان طفلًا. يمكنك مشاهدة فيديو قديم له مع علاء الحريري ( أين ذهب علاء الذي كان مقلدًا مهمًا بالمناسبة؟) لتكتشف طفلًا ( سابق سنه ) نشأ في أسرة مبدعة تشجع الموهبة . معرفتي بأحمد ككاتب أطفال ومديرًا لمكتب القاهرة لمجلة باسم التي طورها صديقنا العزيز فهد الحجي، لكن بخلاف جلسات ( أبو عمار السوري) وعزائم ( فتة الشاورمة) فلدى أحمد مواهب لا تحتويها وظيفة. كاتب وفنان تشكيلي ومسرحي وممثل وعازف يجيد العزف على أغلب الآلات التي نعرفها، بالإضافة لكونه ملحنًا وشاعرًا وسيناريست ومطرب أحيانًا، بل و ( مقلد ) – بالمعنى الإيجابي بالطبع- وبالتالي فالشئ الأهم الذي يجيده أمين ويتسع لمواهبه يتلخص في كلمة واحدة هي ( فنان) .
أما الصفارة فهي حلقة جديدة ضمن ( مشروع) حقيقي يصعد فيه أحمد على طريقته، ويكسب كل رهاناته ، ولا يندم على تجربة اعتذر عنها، أو تردد أثبتت الأيام أنه كان في محله، أو اختيار قرر أن يسلكه، أو اختبار يدخله راضيًا بعقلية المحترف واستمتاع الهاوي . ييدأ أحمد مشروعه ( منفردًا)،أو (بدراعه) كما نقول ، ويسير بتؤدة ، ويفرض طريقته وأسلوبه ، لكن الأهم أنه ( يذاكر) جيدًا ما يفعله. لذلك يكون هو الرابح الوحيد في ما وراء الطبيعة، والفائز الأكبر في جزيرة غمام، والمؤسس لكوميديا اجتماعية مختلفة شاهدناها في الصفارة، والمحتضن ( باحترافية الموهوب) لكل من حوله، وفي الكواليس حكايات يتحرج أحمد من ذكرها، لكن أبطالها يذكرونها بتقدير شديد، فرحمة أحمد فرج كانت بطلة مشروعه المسرحي، وطه دسوقي كان مشاركًا له في ( أمين وشركاه)، ونجوم ١٩٨٠ وانت طالع وجدوا متسعًا لموهبتهم معه، بل إنهم كشفوا عن دعمه لهم في عمل خاص بهم وفر لهم فيه أماكن التصوير والكاميرات بتجرد ونبل كبيرين، كما إن أحمد من وجهة نظري هو أحد أهم من قدموا الستاند اب كوميدي في مصر، وكان تقديمه لحفل جوائز السينما العربية فارقًا للدرجة التي جعلته متعبًا لمن سيأتي بعده ويحاول تكرار ما فعله في أي فعالية، لكن كل ذلك لن ينسينا سؤالنا: ما الذي يجعل من مسلسل ( أمين ) أو الصفارة هو الأهم في المسلسلات الكوميدية هذا العام . التصميم والكتابة وأصدقائنا وزملائنا بقيادة محمود عزت وفريق متميز من سارة هجرس وشريف عبد الفتاح وعبد الرحمن جاويش يستمتع بما يفعله، وهم كذلك اختيار جيد يتلاءم مع كوميديا مختلفة يقدمها أحمد أمين وعنوانها : القرب . أمين هو صديقك بإفيهاته ( السهلة) لكنها صعبة التكرار ولن تقبلها من غيره، وتكنيكات الكوميديا والدعابات المستمرة أو التكرارية أو أيًا كانت الترجمة العربية لا running gags لن تجدها بسهولة في أعمالنا الدرامية ، لكنه يصر عليها. ويصر حتى على السخيف منها، وعلى السخرية من نفسه أحيانًا، بل كثيرًا، هو وطاقم العمل بمن فيهم طه الدسوقي بكل موهبته، وحاتم صلاح بكل (شغف) السنوات التي قضاها في مسرح الجامعة وعلى مسارح جيلنا او حازت التسمية، ثم تأني آية سماحة لتقدم دورًا يحتاج لهدوء شديد وانفعالات بسيطة تناسب فتاة الأحلام، وفي ذات الوقت تطور آية من آدائها الكوميدي لتشارك أمين خلطته، ويتناغم الجميع ، حتى ضيوف الشرف، في تنفيذ قواعد الكوميديا التي اختار أمين أن تميزه وتميز أعماله، وتلعب تيمة ( العودة إلى الماضي من أجل إصلاحه) وهي تيمة مكررة بالمناسبة ولا يمل منها ومن المضحك أن البعض ينسبها لفيلم click وكأنه مبتكرها رغم وجود تنويعات لها في السينما العالمية، والمصرية أيضًا..تلعب هذه التيمة دور المظلة الشفافة التي ترسم السماء لكنها لا تسرب إليك المطر، أو بمعنى أدق تريك الهدف منها، لكنها لا تسقط في فخ المباشرة في الطرح، فالرضا دون سخط، والإيمان بتصريفات القدر تبدو قيمًا جذابة لصناع الصفارة الذين وجدوا ترحيبًا في البيوت المصرية التي تعاني من انشغال الأبهات، ومطربي المهرجانات، وسخافة التريندات، وبلطجة القبضايات، وبالطبع طمع الأصدقاء اللدودين الذين يتحولوا لأعداء حميمين مع الوقت لمجرد رغبتهم في اختطاف ما تستحقه أنت . وعبر ١٥ حلقة وجدنا أن الكاست ( عاملين حالة جميلة) ويبحثون عن اللذيذ منه ، بقيم غير زاعقة، وبداية من التتر المختلف بالأغنية المونولوج لو جاز توصيفها ورسوم الكارتون المدهشة التي نحيي عليها فريق أروما وحتى في الجملة الختامية للجزء الأول ان نشعر بالخطابية، ولعب علاء اسماعيل بالفوتومونتاج الذي قدمه دورًا في عدم شعورنا بأننا في محاضرة تنمية بشرية. بالطبع هناك مآخذ على بعض الحلقات ، وأحيانًا الراكورات ، بل وإيقاع بعض الحلقات التي فشلت في المحافظة على جمال البدايات في القصة، لكن الأكيد أن مشروعًا طموحًا وواعدًا ورائعًا يتشكل بنجم لايزال تون صوته لم يتغير ، ولا يزال يخاطب الناس بكلام في التعليقات وليس بإيموجيز، ولا يزال بعيدًا عن الشلة، ولا يزال لديه الكثييييير والكثييير جدًا هو و( فريقه) المتميز، والجميل أن تقييمًا جديدًا يمكن أن نصكه لمثل هذه المشروعات المتميزة والمسلسلات الممتعة التي يمكن أن نصفها بأنها : في ( الأمين) منه ..
مبروك لصديقي العزيز أحمد أمين، القريب من الناس والقريب من الفن الحقيقي والقريب من تحقيق بعض من أحلامه بمعاييره، وليس بمعايير السوق .. وتسلم ايدي فريق العمل، وبالتأكيد الشركة المنتجة ميديا هب ومحمد السعدي .
الكاتب ا.محمد فتحى